فخر الدين الرازي
105
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
البحث الثاني : أن قوله : وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تنبيه على أنه ليس هناك شيء ينقمون منه ، وهذا كقول الشاعر : ما نقموا من بني أمية إلا * أنهم يحلمون إن غضبوا وكقوله النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب أي ليس فيهم عيب ، ثم قال تعالى : فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ والمراد استعطاف قلوبهم بعد ما صدرت الجناية العظيمة عنهم ، وليس في الظاهر إلا أنهم إن تابوا فازوا بالخير ، فأما أنهم تابوا فليس في الآية ، وقد ذكرنا ما قالوه في توبة الجلاس . ثم قال : وَإِنْ يَتَوَلَّوْا أي عن التوبة يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أما عذاب الآخرة ، فمعلوم . وأما العذاب في الدنيا ، فقيل : المراد به أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب ، فيحل قتالهم وقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم واغتنام أموالهم . وقيل بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب . وقيل : المراد عذاب القبر وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يعني أن عذاب اللّه إذا حق لم ينفعه ولي ولا نصير . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 75 إلى 78 ] وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 78 ) [ في قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ] [ المسألة الأولى ] اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول : وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ [ التوبة : 61 ] - وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [ التوبة : 49 ] - وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم ، فلحقه شدة ، فحلف باللّه وهو واقف ببعض مجالس الأنصار ، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق اللّه ، إلى آخر الآية ، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال : يا رسول اللّه ادع اللّه أن يرزقني مالا . فقال عليه السلام : « يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه » فراجعه وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني اللّه مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له ، فاتخذ غنما ، فنمت كما ينمو الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديا بها ، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما ، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ثم ترك الجمعة . وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار ، وسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه ، فأخبر بخبره فقال : « يا ويح ثعلبة » فنزل قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً فبعث إليه رجلين وقال : « مرا بثعلبة فخذا صدقاته » فعند ذلك قال لهما : ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية ، فلم يدفع الصدقة فأنزل اللّه تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ فقيل له : قد أنزل فيك كذا وكذا ، فأتى الرسول عليه السلام وسأله أن يقبل صدقته ، فقال : إن اللّه منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب على